محمد بن جرير الطبري
195
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فقال له حناطة : فانطلق إلى الملك ، فإنه قد أمرني أن آتيه بك . فانطلق معه عبد المطلب ، ومعه بعض بنيه ، حتى أتى العسكر ، فسأل عن ذي نفر ، وكان له صديقا ، فدل عليه ، فجاءه وهو في محبسه ، فقال : يا ذا نفر ، هل عندك غناء فيما نزل بنا ؟ فقال له ذو نفر ، وكان له صديقا : وما غناء رجل أسير في يدي ملك ، ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا ما عندي غناء في شيء مما نزل بك ، إلا أن أنيسا سائق الفيل لي صديق ، فسأرسل إليه ، فأوصيه بك ، وأعظم عليه حقك ، وأساله أن يستأذن لك على الملك ، فتكلمه بما تريد ، ويشفع لك عنده بخير ، إن قدر على ذلك . قال : حسبي ، فبعث ذو نفر إلى أنيس فجاء به ، فقال : يا أنيس إن عبد المطلب سيد قريش ، وصاحب عير مكة ، يطعم الناس بالسهل ، والوحوش في رؤوس الجبال ، وقد أصاب الملك له مئتي بعير ، فاستأذن له عليه ، وأنفعه عنده بما استطعت ، فقال : أفعل . فكلم أنيس أبرهة ، فقال : أيها الملك ، هذا سيد قريش ببابك ، يستأذن عليك ، وهو صاحب عير مكة ، يطعم الناس بالسهل ، والوحوش في رؤوس الجبال ، فأذن له عليك ، فليكلمك بحاجته ، وأحسن إليه . قال : فأذن له أبرهة ، وكان عبد المطلب رجلا عظيما وسيما جسيما ؛ فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه أن يجلس تحته ، وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه ، فنزل أبرهة عن سريره ، فجلس على بساطه ، فأجلسه معه عليه إلى جنبه ، ثم قال لترجمانه : قل له ما حاجتك إلى الملك ؟ فقال له ذلك الترجمان ، فقال له عبد المطلب : حاجتي إلى الملك أن يرد علي مئتي بعير أصابها لي ؛ فلما قال له ذلك ، قال أبرهة لترجمانه : قل له : قد كنت أعجبتني حين رأيتك ، ثم زهدت فيك حين كلمتني ، أتكلمني في مئتي بعير أصبتها لك ، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك ، قد جئت لهدمه فلا تكلمني فيه ؟ قال له عبد المطلب : إني أنا رب الإبل ، وإن للبيت ربا سيمنعه ، قال : ما كان ليمنع مني ، قال : فأنت وذاك ، أردد إلي إبلي . وكان فيما زعم بعض أهل العلم قد ذهب مع عبد المطلب إلى أبرهة ، حين بعث إليه حناطة ، يعمر بن نفاثة بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناف بن كنانة ، وهو يومئذ سيد بني كنانة ، وخويلد بن واثلة الهذلي وهو يومئذ سيد هذيل ، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة ، على أن يرجع عنهم ، ولا يهدم البيت ، فأبي عليهم ، والله أعلم . وكان أبرهة ، قد رد على عبد المطلب الإبل التي أصاب له ، فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش ، فأخبرهم الخبر ، وأمرهم بالخروج من مكة ، والتحرز في شعف الجبال والشعاب ، تخوفا عليهم من معرة الجيش ؛ ثم قام عبد المطلب ، فأخذ بحلقة الباب ، باب الكعبة ، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ، ويستنصرونه على أبرهة وجنده ، فقال عبد المطلب ، وهو آخذ بحلقة باب الكعبة : يا رب لا أرجو لهم سواكا * يا رب فامنع منهم حماكا إن عدو البيت من عاداكا * امنعهم أن يخربوا قراكا وقال أيضا : لا هم إن العبد يم * نع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم * ومحالهم عدوا محالك فلئن فعلت فربما * أولى فأمر ما بدا لك ولئن فعلت فإنه * أمر تتم به فعالك وقال أيضا : وكنت إذا أتى باغ بسلم * نرجي أن تكون لنا كذلك فولوا لم ينالوا غير خزى * وكان الحين يهلكهم هنا لك